ابن الجوزي
246
صفة الصفوة
تدري ما يقول الميت على سريره ؟ فقلت : لا . قالت : فإنه يقول يا أهلاه ويا جيراناه ويا حملة سريراه ، ولا تغرّنّكم الدنيا كما غرّتني ، ولا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي فإن أهلي لا يحملون عني من وزري شيئا ، ولو حاجّوني عند الجبار لحجّوني . ثم قالت أم الدرداء الدنيا أسحر لقلوب العابدين من هاروت وماروت ، وما آثرها عبد قطّ إلا أضرعت خدّه « 1 » . عن أبي عمران الأنصاري قال : كنت أقود دابّة أم الدرداء فيما بين بيت المقدس ودمشق فقالت لي : يا سليمان أسمع الجبال وما وعدها اللّه عزّ وجل فأرفع صوتي بهذه الآية وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ [ سورة الكهف آية 47 ] . سعيد بن عبد العزيز قال : أشرفت أم الدرداء على وادي جهنم ومعها إسماعيل بن عبيد اللّه فقالت : يا إسماعيل اقرأ فقرأ أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ [ سورة المؤمنون آية 115 ] فخرّت أم الدرداء على وجهها وخر إسماعيل على وجهه فما رفعا رءوسهما حتى ابتلّ ما تحت وجوههما من دموعهما . عن خالد بن ذكوان قال : أخبرتني أمي أن ابنة لأبي الدرداء توفيت فصلّت عليها أم الدرداء ثم رجعت فدعت بالمجمر فوضعته تحت ثيابها ثم ناولتنيه . وقال يحيى بن معبن : ماتت الدرداء قبل أم الدرداء ، فلما دفنتها قالت : اذهبي إلى ربك وأذهب إلى ربي . فدخلت المسجد . . عن ميمون بن مهران قال : خطب معاوية أم الدرداء فأبت أن تزوجه وقالت سمعت أبا الدرداء يقول : قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « المرأة في آخر أزواجها » أو قال « لآخر أزواجها » أو كما قال ولست أريد بأبي الدرداء بدلا . عن شهر بن حوشب ، عن أم الدرداء قالت : إنما الوجل في قلب ابن آدم كاحتراق السّعفة ، أما تجد لها قشعريرة ؟ قال : بلى : قالت : فادع اللّه إذا وجدت ذلك ، فإن الدعاء يستجاب عند ذلك .
--> ( 1 ) أي جعلته ذليلا .